محمد بن جرير الطبري
49
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وفي نفْي الله جلّ ثناؤه ذلك عن حُكْم كتابه ، أوضحُ الدليل على أنه لم ينزل كتابه على لسان محمد صلى الله عليه وسلم إلا بحكمٍ واحدٍ متفق في جميع خلقه ، لا بأحكام فيهم مختلفة . وفي صحة كون ذلك كذلك ، ما يبطل دعوى من ادَّعى خلاف قولنا في تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أنزل القرآن على سبعة أحرف " للذين تخاصموا إليه عند اختلافهم في قراءتهم . لأنه صلى الله عليه وسلم قد أمرَ جميعهم بالثبوت على قراءته ، ورضى قراءة كل قارئ منهم - على خلافها قراءةَ خصومه ومنازعيه فيها - وصوَّبها . ولو كان ذلك منه تصويبًا فيما اختلفت فيه المعاني ، وكان قولُه صلى الله عليه وسلم : " أنزل القرآن على سبعة أحرف " إعلامًا منه لهم أنه نزل بسبعة أوجُهٍ مختلفة ، وسبعة معان مفترقة - كان ذلك إثباتًا لما قد نفى الله عن كتابه من الاختلاف ، ونفيًا لما قد أوجب له من الائتلاف . مع أنّ في قيام الحجة بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقض في شيء واحد في وقت واحد بحكمين مختلفين ، ولا أذن بذلك لأمته - ما يُغْنى عن الإكثار في الدلالة على أن ذلك منفيٌّ عن كتاب الله . وفي انتفاء ذلك عن كتاب الله ، وجوبُ صحة القول الذي قلناه ، في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أنزل القرآن على سبعة أحرف " ، عند اختصام المختصمين إليه فيما اختلفوا فيه من تلاوة ما تلَوْه من القرآن ، وفسادِ تأويل قول من خالف قولنا في ذلك . وأحْرى أنّ الذين تمارَوْا فيما تمارَوْا فيه من قراءتهم فاحتكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يكن منكَرًا عند أحد منهم أن يأمرَ الله عبادَه جلّ ثناؤه في كتابه وتنزيله بما شاء ، وينهى عما شاء ، ويعِدَ فيما أحبَّ من طاعاته ، ويوعِدَ على معاصيه ، ويحْتِمَ لنبيه ويعظه فيه ( 1 ) ويضربَ فيه لعباده الأمثال - فيُخاصمَ
--> ( 1 ) في المطبوعة " ويحتج لنبيه " ، بدل " ويحتم " . وفي إحدى المخطوطات " ويعظ " ، بغير الضمير وبغير " فيه " . وأما الأخرى فليس فيها " ويعظه فيه " ، بل " ويحتم لنبيه صلى الله عليه وسلم " . و " حتم الأمر " : قضاه ، أي : يقضى لنبيه ويكتب له وعليه .